المباركي: أساسيات القطاع العقاري في الخليج متماسكة رغم التقلبات

14/05/2026

تعد فترات التقلبات الجيوسياسية عامل اختبارٍ لمعنويات الأسواق أكثر من تأثيرها على الأساسيات الاقتصادية الكامنة. وفي منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، يعزز المشهد الحالي نمطاً مألوفاً، حيث قد تؤدي التقلبات إلى تهدئة النشاط على المدى القصير، إلا أن أداء القطاع العقاري لا يزال مدعوماً بعوامل قوة هيكلية. هذا ما أكده السيد خالد أحمد المباركي، نائب رئيس أول – الاستثمار العقاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المركز المالي الكويتي "المركز"، خلال إحدى الندوات الإلكترونية ضمن سلسلة أطلقها "المركز" لتسليط الضوء على أبرز تطورات الأسواق والمخاطر الناشئة والفرص الاستثمارية المتغيرة في المنطقة.

وكان للقطاع العقاري مسار مختلف مقارنة بالقطاعات الأخرى، حيث شهد تصحيحات محدودة فقط، وواصل تحقيق توزيعاتٍ نقدية وأداء أفضل من القطاعات الأخرى، حتى خلال فترات سابقة من الضغوط التي شهدتها الأسواق، بما في ذلك الأزمة المالية العالمية وتراجع أسعار النفط وجائحة كوفيد-19.

ويعني ذلك أن القطاع العقاري لا يعمل بمعزل عن الظروف الاقتصادية الكلية، إلا أن استجابته عادةً ما تكون أكثر اتزاناً، مدعومةً بقدرته على تحقيق الدخل واستقرار مستويات الطلب نسبياً.

استقرارٌ مدعومٌ بالأساسيات
على مستوى الأصول، لا يزال أداء القطاع العقاري مستقراً في دول مجلس التعاون الخليجي. فقد واصلت معدلات الإشغال والتحصيل الحفاظ على مستويات مرتفعة، في حين ظلت حركة الإيجارات مستقرة إلى حدٍ كبير، مع تسجيل ارتفاعات انتقائية في بعض القطاعات.

ويعكس هذا الاستقرار الخصائص الجوهرية للعقار وبالأخص فئة الأصول المدرةٍ للدخل، حيث يوفر القطاع العقاري تدفقات نقدية مستقرة حتى في فترات التقلبات المرتفعة. كما أن انخفاض مستوى تذبذب العقار نسبياً يعزز دوره كعنصر داعم للاستقرار ضمن المحافظ الاستثمارية.

تباين بين الأسواق
ورغم أن التوقعات العامة للأسواق الإقليمية لا تزال مستقرة، فإن البيئة الحالية تسلط الضوء على اختلافات مهمة بين أسواق دول مجلس التعاون الخليجي. ففي الكويت، يعتمد النشاط العقاري بشكل رئيسي على رأس المال المحلي والطلب المحلي في التداولات العقارية مما يؤدي إلى أن يكون القطاع العقاري الملاذ الآمن في هذه الازمات. ويساهم ارتفاع حالة عدم اليقين في زيادة الحذر لدى البنوك والمكاتب العائلية. وينتج عن ذلك تباطؤ وتيرة الصفقات، إلا أن قيم الأصول ما تزال مدعومة بالأسس الاقتصادية القوية.

أما المملكة العربية السعودية، فتتمتع بحصانةٍ أكبر نسبياً، حيث يستند الطلب فيها إلى السوق المحلية، مدعوماً بالمشاريع التنموية التي تقودها الدولة، وهذا يحد من انكشاف السوق على التحولات في تدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ويساهم ذلك في دعم استقرار السوق رغم الضغوط الخارجية. وفي المقابل، تعد دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر حساسية تجاه معنويات المستثمرين، نظراً لارتباطها الأكبر برؤوس الأموال الأجنبية، والذي قد يؤدي إلى تقلبات أسرع على مستوى النشاط الاستثماري، إلا أن السوق أثبت مراراً قدرته على التعافي من فترات التقلبات التعامل مع الأزمات على مدى تاريخه، مدعوماً بالأطر التنظيمية المتطورة والارتباط القوي بالأسواق العالمية.

النشاط مقابل القيمة
وتكمن أحد الفروقات الرئيسية للدورة الحالية في التمييز بين نشاط الصفقات وأداء الأصول. فعلى مستوى المنطقة، تؤثر حالة عدم اليقين بشكلٍ أساسي على وتيرة إتمام الصفقات، أكثر من تأثيرها على الأساسيات العقارية ذاتها. ويتضح ذلك بصورة خاصة في أسواقٍ مثل الكويت؛ حيث يؤدي ارتفاع التحفظ تجاه المخاطر إلى تباطؤ النشاط الاستثماري. إلا أن مستويات الإشغال ومعدلات التحصيل واستقرار الإيجارات تشير إلى أن الطلب ما يزال قائماً. ويُظهر هذا التباين تعديلات مؤقتة في سلوك المستثمرين وعدم ارتباط الظروف الحالية بأي ضعفٍ هيكلي.

مرونةٌ انتقائيةٌ في بيئةٍ متغيرة
ورغم استمرار التطورات الجيوسياسية، فمن غير المتوقع أن يكون تأثيرها موحداً على كافة فئات الأصول. فمن المرجح أن تواجه استثمارات المضاربة والأخرى ذات الرفع المالي المرتفع ضغوطاً أكبر، لا سيما إذا طال أمد حالة عدم اليقين أو بدأت تؤثر على النشاط الاقتصادي الأوسع. وفي الوقت ذاته، تبدو الأصول المدعومة بأساسيات قويةٍ أكثر مرونةً واستقراراً. ويؤكد ذلك على أهمية الانتقائية، حيث تلعب جودة الأصول الأساسية وقوة التدفقات النقدية دوراً أكثر حسماً في تحديد نتائج الأداء.

النظرة المستقبلية: استقرارٌ مع حذر مدروس
خلال المرحلة المقبلة، سيظل مسار القطاع العقاري بالمنطقة مرتبطاً إلى حدٍ كبير بالتطورات الجيوسياسية. فقد يضيف استمرار الاضطرابات لفترة طويلة مزيداً من المخاطر، لا سيما تلك التي تؤثر على صادرات النفط أو الأنظمة المالية العالمية. إلا أن النظرة المستقبلية تظل مستقرة في ظل المعطيات الحالية، حيث يشير ارتفاع معدلات الإشغال والتحصيل واستقرار أداء الإيجارات إلى أن السوق ما يزال مدعوماً بأسسٍ قوية. كما أن التطورات الأخيرة في المنطقة والهدنة الحالية قد تمهد الطريق نحو مزيد من الاستقرار. 

الاتزان في التعامل مع عدم اليقين
وبالنسبة للمستثمرين، تؤكد البيئة الحالية مبدأً ثابتاً يتمثل في أن التقلبات قد تؤثر على التوقيت والمعنويات، لكنها لا تعني بالضرورة تراجع جودة الأصول. فقدرة القطاع العقاري على تحقيق الدخل والحفاظ على معدلات الإشغال وإظهار المرونة في مختلف الدورات الاقتصادية، تجعله فئة أصول مستقرة ضمن استراتيجيات الاستثمار. وتتزايد أهمية هذا الاستقرار في الفترات التي تشكل فيها حالة عدم اليقين سلوك الأسواق. وتتطلب المرحلة الحالية اتباع نهجٍ متزنٍ وانتقائيٍ يميز بين الاضطرابات قصيرة الأجل والقيمة طويلة الأجل.
 

تواصل معنا
Chat with Markaz
Chat with Markazإسأل "المركز"