
تشهد أسواق الإقراض العالمية تحولاً هادئاً لكنه عميق الأثر. فالنموذج التقليدي الذي كانت تؤدي فيه البنوك الدور الرئيسي في توفير الائتمان عبر مختلف قطاعات الاقتصاد يتراجع تدريجياً لصالح منظومة أكثر تخصصاً. هذا ما قاله السيد شملان البحر، محلل أول، إدارة الاستشارات الاستثمارية في "المركز"، خلال إحدى الندوات الإلكترونية التي أطلقها "المركز" لتسليط الضوء على أبرز تطورات الأسواق، والمخاطر الناشئة، والفرص الاستثمارية المتغيرة في المنطقة. ويأتي الائتمان الخاص في صميم هذا التحول، فهو ليس تطوراً دورياً، بل إعادة تموضع هيكلية تعيد تعريف كيفية حصول الشركات على رأس المال، وآليات توليد الدخل للمستثمرين.
تراجع المُقرضين التقليديين
وضعت الأسس الأولى لهذا التحوّل في أعقاب الأزمة المالية العالمية، حيث أدّت الإصلاحات التنظيمية، بما في ذلك بازل 3 ودود-فرانك، إلى تغيرٍ جوهري في اقتصاديات الإقراض المصرفي. كما أسهمت زيادة متطلبات رأس المال، والقيود الأشد على الميزانيات العمومية، وتصاعد مستويات التدقيق والرقابة في تقليص شهية البنوك لبعض أنواع التعرّضات الائتمانية.
وقد نتج عن ذلك فجوةٌ متنامية الاتساع بين الطلب على رأس المال والإقراض التقليدي المعروض. وهنا، برز الائتمان الخاص لسدّ هذه الفجوة بسرعة ومرونةٍ ودقة، وهذا مكّنه من النمو ليصبح فئة أصولٍ تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات (وغالبًا عند مستوى أقل بكثير من 40 تريليون دولار أمريكي)، كما أنها أتاح للمستثمرين نطاقًا واسعًا من الشركات الخاصة ما يزال غير مستغلٍ إلى حدٍ كبير.
في جوهره، يوفر الائتمان الخاص حلول تمويلٍ مُصممةٍ حسب الاحتياج لا تسبب خفض حصص المساهمين، وذلك خارج نطاق النظام المصرفي التقليدي. بالنسبة للمقترضين، يقدّم الائتمان الخاص مرونةً وسرعةً في التنفيذ. أمّا للمستثمرين، فهو يوفّر عائدًا أعلى، وحمايةً هيكليةً، وإمكانية الاستفادة من علاواتٍ لا تتوافر عادةً في الأسواق العامة.
ومن السمات الفارقة للائتمان الخاص موقعه ضمن هيكل رأس المال. إذ تركز العديد من الاستراتيجيات على الإقراض الممتاز المضمون (Senior-Secured Lending)، الذي يقع في أعلى سلم أولوية السداد وغالبًا ما يكون مدعومًا بضماناتٍ عينيةٍ ملموسة، ليوفر قاعدةً متينةً للحماية من مخاطر الهبوط، ويعزز الاشتراطات التعاقدية المتفاوض عليها (Covenants)، والعلاقات المباشرة بين المُقرض والمقترض.
الدخل الهادف
ولعل إحدى السمات المميِّزة للائتمان الخاص تكمن في تعمُّد توليد الدخل من خلاله. فالعوائد لا تُحرّكها معنويات السوق أو ارتفاع الأسعار (المكاسب الرأسمالية)، بل تنبع من تدفقات نقدية تعاقدية يتم التفاوض عليها منذ البداية، وقد انعكس ذلك في سجلٍ تاريخيٍ من العوائد المتسقة. إذ حقّقت استراتيجيات الإقراض المباشر عوائد ضمن نطاق الآحاد المرتفعة إلى العشرات المنخفضة على مدار فتراتٍ ممتدة، مع انخفاضٍ ملموسٍ في وتيرة تسجيل الأرباع السلبية. وقد تفوّق الائتمان الخاص بانتظام على القروض المُجمّعة (Syndicated Loans) والسندات مرتفعة العائد (High-Yield Bonds) عبر فتراتٍ عامٍ وخمسة وعشرة أعوام، بفضل بنيته لا بفضل توقيت السوق.
ولأن الدخل الثابت التقليدي بات أكثر حساسيةً لـمخاطر المدة (وأعني حساسية الأسعار لتغير الفائدة) وتقلبات السوق، فإن هذا النوع من الدخل يوفّر مصدرًا متميّزًا للعوائد المستقرة.
نهج "المَركز"
وفي هذا الصدد، يعتمد المركز المالي الكويتي "المركز" نهجًا خاصًا في التعامل مع الائتمان الخاص يرتكز إلى جودة مدير الاستثمار والانضباط في التقييم الائتماني، ويركز على تحديد الاستراتيجيات التي تجمع بين القدرة الفاعلة على توليد الصفقات، والإدارة المتسقة للمخاطر، وتستند لفلسفةٍ استثماريةٍ واضحة.
هكذا تكون الأولوية للإقراض الممتاز المضمون (Senior-Secured Lending)، الذي يعزز حماية رأس المال عبر ضوابط وهياكل وخاصة، وفي نفس الوقت، يُولَى اهتمامًا خاصًا بأساسيات المقترض على مستوى المحفظة يشمل نمو الأرباح، ومعدل تغطية الفوائد، والرافعة المالية، وصولًا إلى تحقيق المرونة مع ظروف السوق المتباينة. من جانبٍ آخر، يُسهم التنويع القطاعي في تعزيز متانة المحفظة عبر انكشافٍ يمتد إلى قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية والرعاية الصحية وغيرها من القطاعات ذات المرونة العالية.
مصدر دخلٍ مركب
وغالبًا ما يُقدَّم الائتمان الخاص على أنه تخصيصٌ يهدف إلى تعزيز العائد. غير أن ما يميّزه لا يقتصر على مستوى الدخل الذي يحققه فحسب، بل يمتد ليشمل وسائل توليد هذا الدخل مستندًا إلى علاقاتٍ مباشرة، وهياكل تعاقدية، وأطر منضبطةٍ لإدارة المخاطر.
ومع استمرار تطوّر النظام المالي العالمي، يُتوقَّع أن يتّسع دور الإقراض غير المصرفي بصورةٍ أكبر، خاصةً وأن تضافر القيود التنظيمية، وطلب المقترضين، وشهية المستثمرين تسهم في تعزيز قاعدة نموٍ طويلة الأجل لهذا النوع الدخل.
واقع الأمر أن الائتمان الخاص لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل بات ركيزة هيكلية في المحافظ الحديثة، إذ يوفر مصدر دخلٍ مرنًا وموثوقًا يلعب دورًا متناميًا في بيئةٍ استثماريةٍ يزداد تعقيدها يومًا بعد يوم.